محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
297
الآداب الشرعية والمنح المرعية
أشدهم هلاكا . وروى أهلكهم بفتح الكاف أي جعلهم هالكين لأنهم هلكوا في الحقيقة وهذا النهي لمن قال ذلك على سبيل الإحتقار والإزراء على الناس وتفضيل نفسه عليهم فإن قال ذلك تحزنا لما يرى من النقص في أمر الدين - زاد في شرح مسلم في نفسه وفي الناس - فلا بأس كما قال يعني الصحابي أظنه أنس بن مالك لا أعرف من أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلا أنهم يصلون جميعا . هكذا فسره الإمام مالك وتابعه الناس عليه كذا قال ، وقول الصحابي يقتضي أنه إذا قال هذا المعنى تحزنا لما يراه فيهم من النقص فلا بأس من غير أن يرى ذلك في نفسه لكن لا يزكي نفسه . قال الخطابي : معناه لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم ويقول : فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك ، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم أي أسوأ حالا منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه خير منهم . وقال في النهاية : من فتحها كانت فعلا ماضيا ، ومعناه أن الذين يؤيسون الناس من رحمة اللّه يقولون : هلك الناس أي : استوجبوا النار بسوء أعمالهم . فإذا قال الرجل ذلك فهو الذي أوجبه لهم لا اللّه تعالى أو هو الذي لما قال لهم وآيسهم حملهم على ترك الطاعة والانهماك في المعاصي فهو الذي أوقعهم في الهلاك ، وأما الضم فمعناه أنه إذا قال لهم ذلك فهو أهلكهم أي أكثرهم هلاكا وهو الرجل يولع بعيب الناس ويرى له عليهم فضلا . وفي مسلم عن جندب بن عبد اللّه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حدث أن رجلا قال : واللّه لا يغفر اللّه لفلان ، وأن اللّه قال : " من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان قد غفرت لفلان وأحبطت عملك " " 1 " أو كما قال المراد : حبط بقدر هذه السيئة لأكل عمله وقد سبقت المسألة في فصول التوبة . فصل في قول حرثت بدل زرعت موافقة للآية روى أبو يعلى الموصلي " 2 " ثنا مسلم بن مسلم الجرمي ثنا مخلد بن الحسين عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : " لا يقولن أحدكم زرعت ليقل حرثت " قال محمد قال أبو هريرة : ألم تسمعوا إلى قول اللّه تعالى : أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [ سورة الواقعة : الآية 64 ] .
--> ( 1 ) رواه مسلم ( البر والصلة / 2621 ) . ( 2 ) رواه كذلك البيهقي ( 6 / 138 ) وغيره وفي سنده مسلم وهو ضعيف .